تحذيرات اميركية: بغداد بلا حلفاء غير طهران والمالكي بارع في صنع الاعداء خارجيا وداخليا

التاريخ : 2012/5/4

قد يبدو الخطر الأكبر على الاستقرار في الشرق الأوسط هو تلك "الديمقراطية" التي استحدثتها الولايات المتحدة في العراق، على رغم ان دلائل هذا الزعم لا تبدو واضحة، ويعلل كاتب اميركي هذا الرأي بالقول ان رئيس الوزراء العراقي برع في صناعة الاعداء في الخارج والداخل، كما ان سياسته قد اثارت النعرات الطائفية التي امتدت خارج حدود العراق، فيما تفتقر بغداد الى حليف واضح في جوارها باستثناء ايران التي لا تريد من العراق سوى ان يكون بلدا تابعا.

جاء ذلك في مقالة نشرها الكاتب جيمس تراوب، مؤخرا في موقع فورين بوليسي(السياسة الخارجية) الاميركي ونقرا فيها:

لدى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، قدرة غير عادية على صنع الأعداء. وكما قال جوست هيلترمان من مجموعة الازمات الدولية، فان "العلاقات الشخصية بين المالكي والجميع علاقات رهيبة". وتجلى ذلك بشكل واضح في شهر اذار مارس، عندما تم عقد الاجتماع السنوي لجامعة الدول العربية في بغداد. فعلى الرغم من أن المقصود من ذلك الحدث كان الإشارة إلى عودة ظهور العراق كدولة محترمة بعد عقود من الطغيان وسفك الدماء، فان عشرة قادة فقط من بين 22 من قادة الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج ( ما عدا الكويت)، رفضوا حضور القمة للإشارة الى عداء المالكي للسنة داخل بلاده وخارجها على حد سواء، ما جعل القمة تتحول الى شكليات تافهة. الصديق الوحيد المتبقي للعراق في المنطقة هي إيران الشيعية، والتي تبدو عازمة على جعل جارتها بغداد تتحول الى دولة تابعة.

صحيح أن العراق لم يعد يشكل تهديدا لجيرانه، كما كان الحال في عهد صدام حسين. وفي هذا الصدد الضيق، جعل غزو الولايات المتحدة الشرق الأوسط مكانا أكثر أمنا، على الرغم من الكلفة البشرية التي لا توصف في أرواح العراقيين والأميركان. لكن الآمال التي عول عليها مسؤولون في ادارة بوش ذات يوم- في ان عراق ما بعد صدام، سيكون قوة استقرار موالية للولايات المتحدة في المنطقة، وربما يقوده شخصية علمانية مثل زعيم المعارضة المهاجر أحمد الجلبي- تبدو اليوم امالا متهافتة على نحو واضح. لم يبد المالكي كبير اهتمام بان يكون صديقا للولايات المتحدة، وسمح له رحيل القوات الامريكية بنسيان ذلك الاهتمام تماما.

يبدو العراق اليوم اشبه بمخلب قط ايراني. في اجتماع جامعة الدول العربية، حال الدبلوماسيون العراقيون دون أي جهد لاتخاذ إجراءات قوية ضد سوريا أو حتى استخدام لغة شديدة اللهجة معها، وهو الامر الذي غَلّب بالتالي اجندة ايران على حساب المملكة العربية السعودية وقطر، التين تدعوان الى تسليح المحتجين الذين يسعون للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد . مباشرة بعد انتهاء الاجتماع، هرع المالكي إلى طهران للتشاور مع الرئيس محمود أحمدي نجاد. ويتفق تقريبا كل خبير في الشان العراق تحدثت معه سابقا، على أن المالكي هو وطني عراقي يتلوى ممعتضا تحت نفوذ الإيراني. ولكن هذا هو الموضع الذي يجد نفسه فيه اليوم. والسؤال هو لماذا؟

التفسير الأكثر ملاءمة لسياسة المالكي الخارجية هو ما أسميه "فرضية الوغد"، التي طرحها جون الترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. الترمان يقول ان المالكي يصنع اعداءً لانه يسعى وراء المصالح الوطنية العراقية و"ليس خائفا من كراهية الناس له في منطقة، يقدر فيها الناس المداراة والتعاطف". ويعتقد الترمان أن المالكي يبحر في الواقع، في مسار دقيق بين إما أعداء او أصدقاء مزيفين. ولكن هناك نظرية بديل عما طرحه الترمان مفادها أن المالكي شخص مُرتاب بعمق، كما يقول محلل آخر يعرفه جيدا ودائرته، وهو على اقتناع بأن خصومه في الداخل والخارج يريدون النيل منه. هناك ايضا رأي آخر هو أن المالكي شخص يعتقد بتفوق الشيعة وينظر للسنة كاعداء (وقد يكون شخصا تتملكه نظريات المؤامرة).

ولكن يمكن للمرء أن يكون غير عارف بدوافع المالكي ولكنه يستنتج بأن الاخير يسيء حاليا إلى مصالح العراق نفسه. لا يمكن لزعيم عاقل حصيف عراقي افتعال اشتباك مع تركيا، كما فعل المالكي ويفعل. فاذا ما عدنا الى كانون الثاني الماضي عندما اقترح رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، على المالكي عدم شن الحرب على المعارضة السنية في بلاده، اتهمه المالكي بـ"التدخل غير المبرر في الشؤون الداخلية العراقية"، مضيفا لحسن التدبير هذا قوله أن أردوغان يسعى إلى استعادة هيمنة الإمبراطورية العثمانية على المنطقة. وهذا بدوره أدى إلى جولة أخرى لتصعيد الشتائم المتبادلة، واستدعاء السفراء.

العراق يحتاج الى تركيا اكثر مما يحتاج إلى إيران. فتركيا لديها ضعف اجمالي الناتج المحلي في إيران، وسوف تنمو الفجوة بسرعة مادامت تركيا مستمرة في التوسع فيما تتعاقد ايران في ظل العقوبات الغربية. سعت تركيا للعب دور وساطة بين الفصائل العراقية، ولكن المالكي يصر على رؤية جارته كقوة سنية تسعى لاستعادة السيطرة السنية، أو العثمانية، على العراق. ربما لم يساعد دبلوماسيون اتراك في حلحلة الأمور في انتخابات العام 2010 عندما دعموا منافس المالكي، أي القائمة العراقية - بما في ذلك مزاعم تقول انهم شجعوا قطر على توفير تمويل للقائمة - لأنهم رأوا في الاخيرة بديلا غير طائفي نسبيا عن ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي وهو ائتلاف شيعي على نحو مكشوف. بيد ان المشكلة الأساسية كانت تتمثل بعدم رغبة المالكي في التوصل الى حل وسط مع خصومه المحليين.

في الواقع، ما يبدو أنه واقع حقا اليوم هو أن توترات العراق الداخلية المؤرقة، وهي التوترات التي تسيرها عدم رغبة الشيعة والسنة والاكراد بقبول شرعية طموحات بعضهم، تمتد خارج حدود البلاد وتفاقم التوترات الطائفية التي تعصف بالمنطقة فعلا. لنأخذ مثالا واحدا، سعت قوات الأمن التابعة للمالكي في شباط الماضي للقبض على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، على خلفية اتهامه بأنه استخدم قوات حمايته كفرق موت سنية، وهو اتهام يبدو ان صحته مشكوك فيها على رغم ان المتعذر على المرء ان يعرف حقيقة الامر في العراق. هرب الهاشمي الى اقليم كردستان، مما أدى إلى المواجهة بين السلطات في بغداد وأربيل، ومن ثم انتقل إلى تركيا، حيث استقبله علنا اردوغان، مما أدى إلى تبادل الاساءات بين قادة عراقيين واتراك. ثم سافر الهاشمي الى قطر، وهو ما اثار بالطبع تبادل التصريحات الغاضبة بين البلدين.

اما انهيار المحادثات بين العراق وحكومة اقليم كردستان، التي تتقاتل على عائدات النفط والحدود، فقد رفع من درجة حرارة المنطقة. كان اردوغان قد وصل الى اقليم كردستان في العام 2007، وكانت المنطقة الكردية في طور الاندماج بالاقتصاد التركي. ويمكن أن يكون ذلك انموذجا للعلاقات بين تركيا والعراق، ولكنه بدلا من ذلك أصبح مدعاة للاحتقان. وهدد الكرد ببيع النفط لتركيا من دون موافقة بغداد، وبناء خط انابيب بين المنطقتين – بعد ان شعروا بالإحباط من عدم إحراز تقدم في المحادثات – وهو امر يتحملون المسؤولية عنه جزئيا. وأصبحت تركيا رهينة الصراع بين بغداد واربيل.

أخيرا، ادى تهميش المالكي لمنافسيه السنة، وكذلك الشيعة المعتدلين مثل إياد علاوي، إلى ارتمائه في أحضان إيران، فهي وحدها التي يمكن أن تفصل بين الجماعات الشيعية في العراق. وكانت ايران هي التي كسرت الجمود بعد انتخابات العام 2010 من خلال ضغطها على أتباع مقتدى الصدر من اجل ضمان قبولهم بالمالكي رئيسا للوزراء. ويعرف المالكي انه يدين بمنصبه الى ايران، وبالتالي عندما تكون لديه مشكلة، فانه يهرع الى طهران. ومن هنا لامناص من ان ينظر خصوم إيران في منطقة الخليج، إلى المالكي بوصفه دمية في يد إيران، حتى لو جانب الصواب هذا الرأي.

ثمة صورة أكبر، وحتى أكثر إثارة للقلق هنا. فقد كان واحدا من الآثار الناجمة عن الاضطرابات داخل البلدان العربية على مدى الأشهر الـ 16 الماضية، ظهور الخلافات الطائفية إلى السطح، تماما كما حدث اثر الغزو الاميركي للعراق. وهذا، بدوره، أدى إلى تصدع العلاقات الإقليمية. فقد اثارت تظاهرات الاغلبية الشيعية في البحرين، ردا عنيفا من قبل الزعماء السنة في ذلك البلد، ما دفع المملكة العربية السعودية لارسال قوات الى البحرين لحمايتها مما قالت انه تمرد مستلهم من ايران. فيما تدور حرب اهلية متنامية في سوريا، التي انتفضت فيها الغالبية السنية في وجه حاكم من الطائفة العلوية الشيعية، وهو ما حرض تركيا ودول الخليج ضد إيران - والآن ضد العراق. وكلما طال أمد الصراع اكثر هناك، عَمّق اكثر على الارجح ذلك الانقسام، بين تلك البلدان.

ان المصالح طويلة الاجل للولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي المصالح نفسها لدى الشعوب العربية: أي استبدال الأنظمة الاستبدادية باخرى ديمقراطية، والاستعاضة عن المسار الطائفي بآخر يناقضه - أو يُعد اقل طائفية . ظنت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش أن العراق سوف يكون بمثابة محور لهذا التحول في المنطقة. بدلا من ذلك، أصبح العراق في ظل حكومة المالكي دولة مجزأة بشدة وذات خصائص ديمقراطية سطحية، ومصدرا صافيا للطائفية. وهو يقدم حتى الآن درسا آخر لصناع السياسة الأميركية - في حال الحاجة إليه - بشان العواقب غير المقصودة لتغيير نظام الحكم.

 
   
لقد تم إرسال تعليقكم
ستتم مراجعته من قبل إدارة الموقع