حلول تنقلب الى مشكلات

التاريخ : 2012/5/9
بقلم : عبد المنعم الاعسم

لنبدأ بالدستور، وكل ما قيل عنه باعتباره عقدا اجتماعيا، او مجموعة من القواسم التي يضعها خبراء في الدساتير وفي السياسة ويلتزمها الحكام والمحكومون معا، وكل ما سمعناه عن الوثيقة الدستورية كخط احمر لا يمكن القفز من فوقها ولا الحفر من تحتها، وما قرأناه عن "روح الدستور" التي هي الاكثر اهمية في التطبيق من النصوص، والاكثر عدالة وشفقة وشفافية من الاحكام والتفسيرات.

أقول، لنبدأ بالدستور الذي اريد له ان يكون حلا لمشكلة بناء الدولة العراقية الجديدة لكي نتملّى كيف برع اصحاب الازمة السياسية في قلب الحل الى مشكلة حين القوا في طريقه الحجارة والثعابين والتفسيرات العجيبة، لتعطيله في مفترقات كان ينبغي عبورها بكفالة الشراكة وحسن الظن واجواء الثقة وبالشعور العالي بالمسؤولية. /تعالوا الى الاجراءات الامنية لمكافحة الارهاب والجريمة والتجييش والتفجيرات، والى الحل باهظ التكاليف المتمثل بالجدران الكونكريتية، إذ صممت كحلول وقائية لحماية حياة المدنيين والمواقع والابنية المهمة ولكفّ أذى الاعمال الاجرامية، لكنها انتهت الى خنق انفاس المواطنين، وتدمير انسيابية الحركة والنشاط المدني والتجاري مدن البلاد جميعا، ورخـّصت لمنشآت واحزاب وجماعات سياسية ودور عبادة للتجاوز على الارصفة والشوارع ومسالك المرور، فزادت في مضاعفة محن الناس وفي تعقيد حياتهم، عدا عن المشكلات الادارية الناجمة عن المتاريس التي صارت تحيط بالوزارات والدوائر الحكومية، فيما (وهنا تكمن المفارقة السوداء) بطلت اهمية وضرورة كل هذه الاجراءات، وكفـّت عن ان تكون وقائية بالنسبة لحياة المواطنين ولمرافق الدولة على حد سواء، وكان ينبغي البحث عن وسائل اخرى لردع التفجيرات والنشاطات الاجرامية، ورفع هذه الصخور الخانقة من على صدور الملايين منذ زمن بعيد.

اما فكرة الشراكة في الحكومة وعملية ادارة شؤون البلاد، باعتبارها الحل العملي للصراع وحالة الانشقاق السياسي ودرء اخطار الاحتراب والفتنة الطائفية، والحيلولة دون تهميش الشرائح والمكونات، والخيار المضمون لعبور مرحلة الانتقال الى ضفاف السلامة والبناء، فقد كشفت الخطوات الاولى نحو هذه الشراكة عن الغام ودهاليز وكراهيات وريَب مخيفة، وانقلب الحل المنشود لمشكلات ادارة البلاد الى مشكلة تتناسل يوميا عن مشكلات لا نهاية لها، واصبح من المتعذر الاتفاق (وهو اساس الشراكة) على اية خطوة نحو تطبيع الاوضاع، وعلى اية خاطرة يمكن البناء عليها للتقدم نحو القضايا ذات الصلة بمصالح البلاد ومستقبلها، بل ان فرقاء الازمة صاروا يطعنون بسلامة هذا الخيار، ويهددون بالتخلي عنه. /ثم تعالوا الى الاعلان عن وقائع جريمة ساحل التاجي حيث اريد لها ان تكون حلا تعبويا للارهاب وكيف انزلقت الى متاهة وتجاذبات وتراشق اتهامات عبثية، والى تصريحات رئيس مجلس النواب التي اراد منها التحذير من سياسات تهميش مكوّن طائفي إذ انقلبت من دعوة للحل الى مشكلة عويصة، لا هو يعتذر عن سوء التقدير والتوقيت، ولا الاخرون يأخذونها مأخذ حسن الظن وبمحاذير حساسية الملف. /وغير هذه وتلك، فانه لا ضمان ان تتحول الحلول التي تقترحها الحياة لبناء العراق الجديد الى مشكلات يقترحها اصحاب الازمة السياسية لتدمير العراق.

 
   
لقد تم إرسال تعليقكم
ستتم مراجعته من قبل إدارة الموقع